عندما تُميع الحقيقة!

 

أثناء استماعي لمحاضرة جرت في إحدى الجامعات العربية حول الاحتلال الأمريكي للعراق، قدم المحاضر - وهو أستاذ جامعي ماركسي- رؤيته لدوافع الإدارة الأمريكية لاحتلال العراق، والتي وجدها تنحصر في الرغبة الأمريكية للسيطرة على أحد أهم منابع النفط في العالم، وإحكام قبضتها على دولة عربية "مارقة" بشكل يضمن مصالح حليفتها "إسرائيل". وعندما حاولت أن ألفت نظر سيادته إلى أن هناك دوافع أخرى لا تقل أهمية عن تلك التي ذكرها، وهي التحالف الديني الأيديولوجي بين المحافظين البروتستانت الذين يؤمنون بضرورة عودة اليهود إلى أرض الميعاد تعجيلا لهلاكهم وإقامة مملكة الله على الأرض، وبين اليهود الصهاينة الذين جعلوا من دينهم مطية لكل مصالحهم الدنيوية، وهو الأمر الذي لا تخفيه تصريحات اليمين المتطرف الذي يسيطر على الإدارة الأمريكية اليوم، عندها لم يتردد البروفيسور المذكور برفض هذه النظرية جملة وتفصيلا، والتأكيد على أن التفسير الوحيد للحرب هو المادة فقط، ولا شيء سوى المادة!

قد تتساءل معي عن سبب هذا التعنت، والجواب القاطع - كما يبدو- هو أن ماركس كان قد قالها منذ قرن ونصف القرن، فلا ينبغي إذن أن يحيد أستاذنا الفاضل عن هذا المنهج، حتى لو اضطره ذلك إلى نفي مئات الشواهد والأدلة التي تؤكد خطأه.

 

بهذا المنطق العجيب تتحول المعارف الإنسانية اليوم إلى مجرد تبريرات انتقائية لما يميل هذا الباحث أو ذاك إلى تأكيده، مستخدما حصيلته الثقافية التي يمكن أن يدعم بها الرأي الذي يريد، وسيظل ذلك مقبولا ما دام الخلاف مرحبا به، بل مطلوبا وكأنه هدف بحد ذاته. مما يعني أن الحقيقة أصبحت نسبية، كما تؤكد ثقافة ما بعد الحداثة التي تسلب الحقيقة عن أيدي الناس وتجعلها مجرد وهم لا يمكن لأحد ادعاء الاستئثار به أو حتى الوصول إليه.

وعليه، فقد أصبح لكل مثقف اليوم الحق في إثبات ما يشتهيه، خصوصا وأن المنطق الصوري (الأرسطي) قد تحول إلى قطعة أثرية ملقاة في إحدى زوايا التراث، وأن المنطق الرياضي نفسه لم يعد قادرا على الامتداد إلى خارج نطاق التجربة، مما يعني افتقار المثقف لأدوات القياس المنطقي القادرة على تحويل نظرياته إلى براهين يقينية، واضطراره للتسليم بأنه لا يمكن له الجزم بصحة مقولته، أو حتى الادعاء بأن مخالفه قد جانب الخطأ، فالكل يحتمل الصواب والخطأ، وبنسبة واحدة!

بناء على ما سبق، فلا عجب إذن أن نقرأ لباحث يثبت بالأرقام والحقائق أن أصل الإنسان يعود إلى كائنات متوحشة أشبه بالقردة، ثم نقرأ مقالا آخر لباحث يؤكد أن الإنسان أكرم مخلوقات الله، وأنه هبط من الجنة على الهيئة التي هو عليها الآن، إذ أن مقاييس ما بعد الحداثة لا يمكن لها أن تجزم بأن الصواب قد حالف أحدهما وأخطأ الآخر، بل تعطي كلاً منهما الحق في التشبث برأيه والدعوة إليه، فالحقيقة نسبية على أي حال، وهي صحيحة من وجهة نظر كل منهما على الرغم من أنهما يعيشان في عالم واحد، ويبحثان في قضية واحدة!

 

قد يسيل لعاب الكثيرين لهذا المنطق ما بعد الحداثي، فهو سيجذب إليه بدون شك كل من يبحث عن حريته الشخصية التي تطلق لهواه العنان في الجهات الأربع، وتحصر حقوق الآخرين عليه في أضيق الحدود. ولكن هذا المنطق - إن صحت التسمية - ما زال قاصرا عن الإجابة على أحد أهم التساؤلات التي يمكن أن تطرح، وهو: إذا كان الخير والشر نسبيان، فبأي منطق يمكن لنا أن نحاكم المجرمين ونعاقبهم ونقتص منهم؟ وحتى في حال الإجابة بأن إدانتهم تعود إلى عقد اجتماعي يتفق عليه معظم أفراد المجتمع، ويحكم بتجريم كل من يعتدي على حقوق الآخرين، فإن هناك مشكلة أخرى في كيفية تحديد هذه الحقوق وصياغتها، وهل هي مقتصرة فقط على الحقوق المادية التي يتم الاعتداء عليها بالقتل والسرقة والاغتصاب، أم أنها تطال كرامة الإنسان وحقوقه المعنوية؟ ولا نعني هنا الاقتصار على جرائم القدح والتجريح، فهي غالبا ما تمس القيمة المادية للإنسان في المجتمعات التي تجعل من السمعة نفسها مادة، وإنما نعني بذلك معاني أخرى يعرفها الإنسان بالفطرة السليمة كالشرف والعرض والغيرة، وهي غالبا ما تُخدش في تلك المجتمعات التي تعجز فلسفة ما بعد الحداثة عن فصلها عن المادة، أو حتى عن دمجها بشكل يضمن ترفع الإنسان عن المادة التي يحكم سيطرته عليها.

 
الفهرس
بعد التخاذل العربي.. هل يفعلها نجاد؟
لمـاذا "نكـرههـم"؟!
أين هي الحقيقة؟
من الذي يستحق المسخ؟
عن أي حوار يتحدثون..؟!
من الذي لا يدري؟
فلسفة المؤخرات
المهزلة العجرمية
التعري والكرامة
سيدتي.. احفظي أسرار زوجك!
"بعبع" الحجاب في التلفزيون المصري!
ما لم نكن نعرفه عن نانسي!
"مجاهد".. من أمريكا إلى الفلوجة!
أخيرا.. فعلها باول!

النظرة الاختزالية للمرأة في ظل الواقع البراجماتي المعاصر

لمـاذا فُـرض الحجـاب؟..

أساليـب الدعايـة المعاصـرة..

رسالة إلى ولدي المراهق

عندما تُميع الحقيقة!

لماذا تحتقر نفسك؟!

علمنة الفضاء العربي

من الذي لا يدري؟!

طريق السعادة في القرآن الكريم

المعجزة التنمويـة الماليزيـة

في رحيل الماغوط.. من منظور آخر!

الليبراليون العرب.. هل هم حقا ليبراليون؟

عرض كتاب: "خرافة التنمية الاقتصادية.. اقتصاديات مستنفذة في القرن الحادي والعشرين"

كيف ننمي روح الإبداع؟

إباحية العقل، أم عقل الإباحية؟

هجرة من ماذا؟

وماذا سنخفي وراء الحجاب؟!

لماذا "نكرههم"؟

الفتنة الدانمركية.. رب ضارة نافعة!

لـمَ كل هذا التحامل على ديدات؟

في البحث عن حلول لمشكلة البطالة..

عندما تسقط الأقنعة

لماذا رحلوا.. وعاد عمرو خالد؟

afkarcom.com 2006 - 2008 © جميع الحقوق محفوظة