عندما تسقط الأقنعة

بقلم أحمد دعدوش

 

"الحجاب عادة ظهرت بذورها عند الفراعنة، اتخذت طابعا دينيا بالتدريج، وانتقلت عبر الأجيال إلى المؤمنين من اليهود والمسيحيين، ليرثها المسلمون من بعدُ بحكم العادة والتقليد".

فكرة قديمة استهلكها العلمانيون على مدى العقود الثلاث الأخيرة، وتوالت الردود عليها حتى اعتقدنا سقوطها وتهافتها، بيد أنها ما زالت تتجدد كل بضع سنين على يد أحدهم لتبقى حية في الأذهان، وتتناقلها وسائل الإعلام اللاهثة وراء الفرقعات.

 

منهج المستشار العلمي

لم يكن قاسم أمين نفسه ليجرؤ على فكرة كهذه، ولعله لم يفكر بها أصلا حتى يسعى إليها، ولكن أبطال الجيل التالي من دعاة التحرير لم يجدوا صعوبة في تطبيق منهجهم "العلمي" لإثبات هذه الدعوى، ليتناقلها بحماس بالغ كتاب معروفون مثل فاطمة المرنيسي، نوال السعداوي، نصر حامد أبو زيد، وخليل أحمد خليل.. وما زالت القائمة في توسع.

وقد لعب الإعلام المؤدلج دوراً رئيساً في ترويج هذه الدعوى ومنحها شرعية الوجود، فعلى صفحات مجلة "روز اليوسف" المصرية، بذل المستشار محمد سعيد العشماوي في عقد التسعينيات جهودا ملفتة لإقامة بناء فكري قد يغتر به الكثير من العامة، فبالرغم من الرد المفحم الذي وافاه به الشيخ محمد سيد طنطاوي -مفتي الديار المصرية آنذاك- إلا أن المجلة التي منحت العشماوي فرصته ليقول الكلمة الأخيرة، لم يجد تفنيداً لرد المفتي أقوى من ربط "المنهج التقليدي" لفهم آيات الحجاب بما يؤدي إليه تطبيق هذا المنهج على آيات أخرى تدعو إلى الحكم بما أنزل الله، ليخرج بنتيجة مفادها أن هذا المنهج الذي يقصر تفسير القرآن الكريم على عموم الألفاظ لا خصوص أسباب التنزيل سيؤدي لا محالة إلى تكفير الدولة والمجتمع، وصولا إلى الإرهاب والقتل. وهذه حجة لا علاقة لها بتطبيقنا للمنهج المذكور على آية الحجاب أو غيرها، بل إن المنهج نفسه لا يؤدي بالضرورة إلى هذا الغلو في التكفير كما هو معروف لدى جمهور فقهاء العصر على اختلاف مذاهبهم، ولا يدل هذا الاحتجاج الرافض لمنهج اعتمده علماء الأصول على مر العصور إلا على إرهاب فكري يتعمد ربط الرأي الآخر بما يشمئز منه العامة من صور القتل والدم. وقد جمع سيادة المستشار هذه المقالات التي يصر على أنها منهجية في كتابه "حقيقة الحجاب وحجية الحديث" الذي نشرته "روز اليوسف" في عام 2002.

 

قراءة المهندس المعاصرة

أما الخطوة التالية على طريق "التحرير" فقد اجترأ عليها الدكتور المهندس محمد شحرور، والذي قرر الانطلاق من قاعدته الماركسية لتأسيس مذهب فقهي متكامل، يناهز به المذاهب الفقهية الأربعة، بل وينسخها بدعوى حتمية الجدلية "الديالكتيك" التي تدعو إلى قراءة معاصرة للنصوص.

 وبناء على هذا المنهج الجدلي الذي يجزم بتغير دلالات الألفاظ بحكم الزمن، فقد انتهى شحرور إلى تفسير كلمة "الجيب" الواردة في قوله تعالى "وليضربن بخمرهن على جيوبهن"، بأنها تعني ما كان مكوناً من طبقتين، وعليه فإن حجاب المرأة الشرعي بات مقصورا وفقها للمذهب الشحروري على الفرج والثديين والإبطين!.. وذلك بالرغم من أن هذا التفسير المعاصر لكلمة الجيب كان من الحريّ به أن يستوعب الشفتين والعينين وما بين أصابع اليدين والقدمين، بيد أن شيخنا العصري قد اكتفى بستر ما يُخفيه لباس البحر فقط!

وأمام هزلية هذا المذهب الذي خرج إلى الوجود بعد سقوط الكتلة الشيوعية ببضع سنين، وبعد توالي الردود القيمة التي صنفها الكثير من العلماء والباحثين لتقويض الأساس الذي قام عليه.. يبدو أن مجتمعنا المعقد في تركيبه قد امتلك نوعا فريدا من المناعة ضد هذه الجراثيم الفكرية، مما منحه القدرة على ابتلاعها دون التعرض لأي خطر يذكر. ولعل هذه المناعة هي التي أدت بالصحفية المصرية إقبال بركة إلى التجريب بلعب دور مماثل في طرح تلك الأفكار التي أكل عليها الزمان وشرب، متأثرة في ذلك بالعشماوي وجمال البنا، ومعترفة في الوقت نفسه بأنها ليست من أهل الاختصاص.

 

الصحفية تجرب حظها

على خطا أساتذتها، لم تأت رئيسة تحرير مجلة "حواء" بجديد، فالحجاب في كتاب بركة والمسمى بـ "الحجاب- روية عصرية" ليس إلا عادة جاهلية فرضتها الظروف الأمنية والاجتماعية في المجتمع الآشوري، ثم تناقلتها الشعوب المختلفة حتى وصلت إلى المسلمين، حيث ما زال هؤلاء المسلمون حتى اليوم يتشبثون به بالرغم من تخلي كل شعوب العصر عنه.

وعلى خلاف الأساتذة السالف ذكرهم، فإن بركة لم تجد لديها من القاعدة العلمية والفقهية ما تسند به دعواها، فلم يزد كتابها عن كونه فرقعة إعلامية، استوجبت شروط الصحافة أن تتناولها بحكم العادة.

أما الجديد في الأمر هذه المرة، فهو خروج الحوار بين هذه الفئة من المثقفين وبين من يتصدى لهم من العلماء والدعاة إلى ساحة أكثر رحابة، فإذا كان الحوار الذي جرى على صفحات "روز اليوسف" بين العشماوي والطنطاوي قد ظل مقصورا على قراء الصحافة في مجتمع يقترب فيه معدل الأمية من النصف، فإن فضاء الإعلام التلفزيوني قد نقل الحوار إلى ساحة أكثر رحابة، ووضع هؤلاء الكتّاب في مواقف لا يحسدون عليها، ولعل استضافة قناة "الرسالة" لإقبال بركة على شاشتها تقدم أفضل مثال على ذلك.

 

السياسة مرة أخرى

في نقلة نوعية للإعلام الإسلامي، يقدم مدير قناة الرسالة- الدكتور طارق السويدان- نموذجا رائعا للحوار المفتوح والجريء، إذ يستضيف في كل حلقة من حلقات برنامجه الجماهيري "الوسطية" عددا من المثقفين والمتخصصين لمناقشة إحدى القضايا الحساسة والمثيرة للجدل، مفسحا المجال للآراء المختلفة التي يطرحها جمهوره المتنوع في الاستوديو، ومستفيدا من جمالية المكان وتقنيات التصويت الجماهيري والتصوير والمونتاج، لإبداع عمل يسحب البساط بقوة من تحت أقدام الإعلام العلماني الذي ظل مسيطرا على الشاشة العربية منذ نشأتها باحتكاره لوسائل الإبهار.

ففي حلقة مثيرة من حلقات البرنامج، أفلست جميع الحجج التي جاءت بها إقبال بركة لتقنع الجمهور بقناعتها الشاذة، ولما أوقعها الدكتور السويدان في فخ اعترافها بضحالة ثقافتها الدينية، لم تجد بدا من التشبث بالحجة القديمة ذاتها، ألا وهي السياسة.

إذ يبدو أن مصطلح "الإسلام السياسي" الذي أبدعه العلمانيون قد تحول بالفعل إلى طوق نجاة يتعلقون به كلما أعيتهم الحيلة، وهي مراوغة أشبه بتلك التي يصفها العرب بقولهم: "زنّاه فحدّه".

فقد رأينا العشماوي من قبل وهو يعمد إلى إحراج الشيخ الطنطاوي باستخدام هذا المصطلح، والذي أنكر الأخير معرفته به. الأمر نفسه الذي تكرر مؤخرا إثر إفلاس بركة التي لم تجد لنفسها مخرجاً سوى بتغيير مجرى الحوار والادعاء بأن هذا الحجاب ليس إلا وسيلة قهر يستخدمها الإسلاميون لإجبار النساء عليها، أملا منهم في إضفاء "هوية إسلامية" على المجتمع المصري، ووصولا إلى الهدف بالغ الخطورة والمتمثل بسيطرتهم النهائية على السلطة.

والعجيب في الأمر، هو أن بركة وأمثالها لم يلاحظوا أن هؤلاء الناشطين الإسلاميين يهتمون أيضا بالدعوة إلى الصلاة والصوم وغيرها من أحكام الإسلام، كما يدْعون إلى مكارم الأخلاق بكافة أنواعها، ويحاربون شتى مظاهر الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي، فضلا عن استماتتهم في الدفاع عن الأوطان وفضح أطماع الأعداء، ولكن العجيب هو أن أيا من هذه الدعوات لم يحظ بذلك الاهتمام العلماني الذي حظي به الحجاب.

علاوة على ذلك، فلم يعثر العلمانيون حتى الآن على أي أثر للمؤرخين والعلماء أو حتى للملاحدة والزنادقة في التاريخ الإسلامي مما يؤيد مذهبهم في أن الحجاب لم يكن أكثر من عادة متوارثة، بل لا نجد إلا إجماعا على النصوص التي لم يختلف المسلمون على تفسيرها- باستثناء التفصيلات الصغيرة- منذ أربعة عشر قرنا، فما المبرر إذن لتحميل هذا الحجاب بعدا سياسيا لا يمتد إلى ما هو أبعد من ثمانين عاما خلت، حين بدأت الحركات الإسلامية بالتشكل؟.. بل ما هي العلة التي يرون أنها السبب في التزام ملايين المسلمات في مجتمعات العالم كله حيث لا يوجد لتلك الحركات الإسلامية أي نشاط يذكر؟ أم لعلهم ينسبون إلى هؤلاء الناشطين قوى خارقة في التلاعب بعقول تلك الملايين؟!

 

هذه الأسئلة وغيرها ما زالت معلقة لدى أعداء الحجاب بلا إجابة، فكل ما في الأمر هو أنهم اختاروا منذ بزوغ عصر "النهضة العربية" اللحاق بالغرب بشتى الوسائل الممكنة، وإذا كانوا يتفاوتون في ابتعادهم عن الإسلام بين مجدد ينتهي إلى تمييع الدين وبين منخلع عن ربقة الإسلام بالجملة، فإن الحجاب ما يزال حتى الآن بمثابة الشوكة التي تغص بها حلوقهم، والعقبة الكؤود التي تقف حائلا دون وصول أيدي رجالهم إلى المرأة، ودون تحرر نسائهم من قيود لا تمت إلى الحجاب والإسلام بصلة.

وإذا كان العشماوي قد توارى فيما مضى خلف صفحات المجلة التي تبنت آراءه الشاذة قبل أن يجتهد لتدعيمها، فإن الخطأ الفادح الذي ارتكبته إقبال بركة في قبولها للحوار على الفضائيات، وما تمخض عنه من فضيحة لأرباب هذا الفكر، هو لعمري فاتحة لمرحلة طال انتظارها في تاريخ أمتنا المعاصر، فقد آن الأوان لفتح جميع الملفات التي اعتاد البعض تمريرها في الظل، وإسقاط الأقنعة التي تتخفى وراءها وجوه لن تعجز الكاميرات عن التقاط امتعاضها من ظهور الحقيقة.

 
الفهرس
بعد التخاذل العربي.. هل يفعلها نجاد؟
لمـاذا "نكـرههـم"؟!
أين هي الحقيقة؟
من الذي يستحق المسخ؟
عن أي حوار يتحدثون..؟!
من الذي لا يدري؟
فلسفة المؤخرات
المهزلة العجرمية
التعري والكرامة
سيدتي.. احفظي أسرار زوجك!
"بعبع" الحجاب في التلفزيون المصري!
ما لم نكن نعرفه عن نانسي!
"مجاهد".. من أمريكا إلى الفلوجة!
أخيرا.. فعلها باول!

النظرة الاختزالية للمرأة في ظل الواقع البراجماتي المعاصر

لمـاذا فُـرض الحجـاب؟..

أساليـب الدعايـة المعاصـرة..

رسالة إلى ولدي المراهق

عندما تُميع الحقيقة!

لماذا تحتقر نفسك؟!

علمنة الفضاء العربي

من الذي لا يدري؟!

طريق السعادة في القرآن الكريم

المعجزة التنمويـة الماليزيـة

في رحيل الماغوط.. من منظور آخر!

الليبراليون العرب.. هل هم حقا ليبراليون؟

عرض كتاب: "خرافة التنمية الاقتصادية.. اقتصاديات مستنفذة في القرن الحادي والعشرين"

كيف ننمي روح الإبداع؟

إباحية العقل، أم عقل الإباحية؟

هجرة من ماذا؟

وماذا سنخفي وراء الحجاب؟!

لماذا "نكرههم"؟

الفتنة الدانمركية.. رب ضارة نافعة!

لـمَ كل هذا التحامل على ديدات؟

في البحث عن حلول لمشكلة البطالة..

عندما تسقط الأقنعة

لماذا رحلوا.. وعاد عمرو خالد؟

afkarcom.com 2006 - 2008 © جميع الحقوق محفوظة