نحن والآخر.. هل نؤمن بالحوار كضرورة إنسانية أم وسيلة براغماتية؟


د. عبدالله البريدي *

18 ,ربيع الثاني 1426

سبق لنا في مقال سابق التأكيد على أن المدخل الحضاري هوالأكثر كفاءة في الحوار مع الآخر (المختلف أيديولوجياً)، وأبنّا بشيء من التركيز عن بعض أسرار تفرد وتميز ذلك المدخل من خلال عرض بعض منطلقاته في غرس ثقافة الحوار، وأكدنا على ضرورة تبني المدخل الحضاري في ميادين التربية والتعليم وأدوات وتقنيات تشكيل الرأي العام في عالمنا العربي والإسلامي، حيث يسهم ذلك المدخل وبشكل فعال وذكي في صياغة مجتمع يؤمن بالحوار مع الآخر، مجتمع يؤمن به كقيمة مطلقة وضرورة إنسانية لا كقيمة نسبية أو وسيلة براغماتية.. ومن زاوية أخرى نشير إلى أننا نهدف بمواصلة حديثنا عن الحوار مع الآخر إلى التفطن والتفطين بجوهر الحوار من خلال الاتفاق على مقومات الحوار وأركانه الأساسية وذلك بحسب أسس المدخل الحضاري، والحقيقة أن جوهر الحوار واحد، سواء كان الحوار بين طفلين حالمين في غرفة صغيرة أو بين عملاقين سياسيين في قمة كبيرة أوبين ثقافتين مؤثرتين في ساحة تثاقف حضاري، الحوار هو هو لا يختلف من حيث الجوهر باختلاف الأطراف المشاركة فيه، غير أن المدخل الحضاري يكثّف تركيزه حول الحوار التثاقفي التفاعلي بين الحضارات والمدنيات والثقافات المختلفة.. وتتأكد أهمية تناولنا للحوار مع الآخر بالمنظار الحضاري بسبب تطاول غفلة أوتغافل بعض المثقفين والمفكرين العرب عن التعاطي مع ذلك المنظار لأسباب وحجج متباينة قد نعرض لأهمها في ثنايا تحليلنا لمقومات الحوار مع الآخر.
ومما يمتاز به المنظار الحضاري للحوار مع الآخر أنه يستحضر بشكل دقيق مكانة الأمة العربية والإسلامية في مسار التحضر ويستوعب تفاعلات الثقافة والحضارة العربية الإسلامية مع بقية الثقافات والحضارات، الأمر الذي يؤهله إلى تجاوز سقف النقد الثقافي وملامسة ما نسميه بالنقد الثقافي الحضاري (سيكون لنا وقفة مع هذا المصطلح في مقالات قادمة)، وبمعنى آخر، نستطيع القول بأن المنظار الحضاري يأخذ بعين الاعتبار والتفحص تموضع حركة الثقافة العربية الإسلامية وتفاعلاتها في رحاب الفضاء الحضاري، مع تحديد دقيق لدرجة فعالية تلك الثقافة في أداء وظائفها التعبوية والبنائية والتشخيصية والتقيمية والاستشرافية.
وبعد ذلك التمهيد المنطقي، يمكننا أن نستعرض أهم مقومات الحوار الأساسية، والتي لا يقوم الحوار بدونها، مع الإشارة إلى أننا لا ننشد الاستعراض الحصري لتلك المقومات، حيث إن المقام لا يستدعي ذلك ولا يتحمله، مما يجعلنا نكثّف حديثنا عن بعض المقومات ذات التأثير الأكبر على مسألة الحوار مع الآخر، لاسيما في حوار التثاقف الحضاري، علنا بذلك نسهم في تشخيص أسباب ومظاهر الخلل داخل ثقافتنا العربية الإسلامية وثقافة الآخر، الأمر الذي قد ينشط ذلك اللون من الحوار ويرفع فعاليته بما يعود على الإنسانية بالخير والفائدة والرشد.
المقوم الأول: الإيمان بأهمية الحوار
يمكن لنا تقرير أن إيمان كل طرف من أطراف الحوار بأهميته له شرط رئيس، بل هوالبوابة التي يدلف منها الطرفان إلى ساحة الحوار بدافعية داخلية كافية وقناعة أكيدة بضرورة الحوار والتواصل مع الآخر، والحقيقة أن اعتبارات ودوافع كل طرف في الحوار تختلف وتتلّون في موجة طيف
Spectrum تبدأ بالقيمي الأخلاقي الخالص وتنتهي بالذرائعي البرغماتي الخالص وتمر بقيمي ذرائعي بأقدار متفاوتة ونسب متباينة.
والحوار القائم على الذرائعية المطلقة أوشبة المطلقة له خطورته البالغة على نزعة التحضر في المجتمعات، نظراً لتأثيره السلبي على فعالية الحوار وأخلاقياته ونتائجة وديمومته وأثره في إرساء الأمن الاجتماعي والسياسي.
وهنا نتساءل: ألا يمكننا ممارسة نوع من الاختبار والتحديد لمستوى الإيمان الجيني- إن صح التعبير- الذي يقله رحم ثقافة الآخر حيال الحوار معنا؟ في رأيي أننا مطالبون كمحللين ومشخصين للثقافة بتصنيف ذكي لأنساق الثقافات الأخرى في المقياس الطيفي، الذي يقيس درجة إيمان الثقافات والحضارات الأخرى بالحوار مع الآخر، وتحديداً معنا.. وفي هذا السياق، يمكن لنا التطارح حول بعض الأفكار والقياسات المبدئية، والتي تفتقر قطعاً إلى مزيد من الإنضاج والبلورة والبرهنة والتقييم والاختبار.
يبدأ المقياس الطيفي بثقافات تتوفر على درجات عالية من الإيمان بأهمية وضرورة الحوار مع الآخر، والتي من أبرزها الثقافات الشرقية كالصينية والهندية، تلك الثقافات لا ترتكز على البعد التوسعي في الجغرافيا والنفوذ، وينتهي المقياس بثقافات مطبوعة بنظرات استعلائية احتقارية للآخر، والتي من أبرزها الثقافة الغربية، ثقافة الرجل الأبيض ذات الطبيعة التوسعية، ويعكس المقياس في ألوانه الرمادية وحدوده الوسطى ثقافات تراوح بين هذه وتلك، وهي الثقافات التي تتوفر على قدر من الإيمان بالحوار مع الآخر، وتعد في نظري ثقافات الدول اللاتينية نموذجاً جيداً لتلك الثقافات المتوسطة باعتبار درجة الإيمان.
وبناء على ما سبق يتعين علينا التنقيب الفلسفي والمنهجي والتجريبي في جملة من الأسئلة، والتي من شأنها تعميق فهمنا وإجادة تخطيطنا وترشيد تصرفاتنا بخصوص الكيفية المثلى للتعامل مع أنواع الثقافات المختلفة باعتبار درجة الإيمان والاحترام للآخر، ومن تلك الأسئلة ما يلي:
1- ألا يتعين علينا بناء حقل معرفي لدراسة الثقافات المختلفة بشكل فلسفي منهجي متعمق لتكون معينة للسياسي والفكري في العالم العربي للتعاطي مع تلك الثقافات والتحاور معها؟.
2- كيف نتعامل مع الثقافات ذات النزعة الاستعلائية الاستحقارية؟
3- هل يسوغ مبادلتهم بالمثل أم أننا مطالبون بتعامل قيمي أخلاقي يتكئ على الإبداع في تطوير وتحسين فرص وقنوات التثاقف معهم خدمة لأهداف ومنطلقات مشروعنا الحضاري ووفاء بقيمه ومبادئه؟.
4- ألا يحسن بنا زيادة معدلات التبادل الثقافي والسياسي مع الثقافات التي تتقبلنا بدرجة أكبر؟ أين العرب عن الصين والهند وأمريكا اللاتينية؟.
5- ألا يمكن أن تشكّل القمة العربية اللاتينية المشهودة (قمة برازيليا) - والتي نددت بكل قوة بممارسات الكيان الصهيوني- بداية جديدة لتفكير عربي جديد؟.
6- كيف نفسر الغياب الكبير للقيادات العربية عن تلك القمة غير المسبوقة؟.
7- هل أظهرنا نحن العرب مع أصدقائنا في أمريكا اللاتينية قدراً كافياً من الحماس؟.
8- أهو قدر علينا ألا ننشط مع أولئك الأصدقاء إلا في دوائر السياسية المعقدة؟ أين الدوائر الثقافية؟.
9- أين الذكاء والتخطيط العربي من اقتحام فضاءات جديدة في الثقافة والسياسة والاقتصاد والتقنية والتعليم؟ وغيرها من الأسئلة، والتي نودعها جميعاً في خزانة التفكير الإستراتيجي العربي، علها تجد من يفتش عن ملفاتها وحيثياتها وسبل الإجابة عليها. ,ربيع الثاني

 1426"جريدة الجزيرة"

 
الفهرس

السيرة الذاتية

أما يسعُ (المجتمعات الأقلّ ذكاءً) زيادة ذكائها؟

التسويق الحضاري   بـ"ألف اختراع واختراع"!   

ما وراء (التشخيص الثقافي) !

حين يتألق السياسي ويخبو الثقافي

نحو فك شفرات التفكير الجمعي

كشف لبعض المخبوء في معادلة المرأة السعودية
معاداة النسائية!

السلفية والليبرالية.. من يصدنا عن الإبداع؟

نحن والآخر... لمَ لا نغلّب العقلاني الاستراتيجي على الدوغمائي الآنيّ؟!

الكوريون الجنوبيون فاقوا الشماليين في ذكائهم الجمعي!

المثقفون الكارهون ذواتهم! (4)

المثقفون الكارهون ذواتهم! (3)

المثقفون الكارهون ذواتهم! (2)

المثقفون الكارهون ذواتهم! (1)

أي نوع من (المفكرين) يحتاجه المجتمع العربي ليكون أكثر ذكاءً!

العقل السلفي.. العقل الليبرالي.. لماذا لا يُبدعان؟

النهضة العلمية تحتاج إلى عقود طويلة.. خرافة أم حقيقة

الكوريون الجنوبيون.. زاد ذكاؤهم الجمعي فمارسوا تشخيصاً مبكراً وجريئاً للحداثة!

خواطر تنموية ساخنة (5)

خواطر تنموية ساخنة (4)

خواطر تنموية ساخنة (3)

خواطر تنموية ساخنة (1)

الإيمان في الفضاء الحضاري..

تأمُّلات في جذور مشكلة .. ضعف الاحترام بيننا وبين الآخر!

نحن والآخر.. هل نؤمن بالحوار كضرورة إنسانية أم وسيلة براغماتية؟

رداً على طروحات د.حمزة المزيني (3)

رداً على طروحات د.حمزة المزيني (2)

رداً على طروحات د.حمزة المزيني (1)

دعوة لفتح الصندوق الأسود للأكاديميا العربية 2

دعوة لفتح الصندوق الأسود للأكاديميا العربية 1

أولادنا الهائمون في الشوارع

لا خيارَ أمامنا.. فإما تشخيصاً علمياً أو تخرصات !

العرب كمجتمعٍ.. حيناً يَزدادُ ذكاؤهم الجمعي.. وحيناً ينقصُ!

afkarcom.com 2006 - 2008 © جميع الحقوق محفوظة